المشاركات

حين تتسع الظلال

صورة
                                                                                  لم يكن المساء مجرد غيابٍ للشمس… بل امتدادٌ خفيّ لشيء يشبه السرّ. كلما تساقط الضوء، أحسست أن الليل يقترب كرفيقٍ  مخلص ، يجلس قبالتي بصمتٍ يعرف أكثر مما يقول. في تلك اللحظة، بدت القهوة أثقل من كونها شرابًا؛ كأنها توقيعٌ على معاهدة بيني وبين السكون. أوراقي تنفتح كأبوابٍ بلا أقفال، وأجدني أكتب لا لأفسر، بل لأُبقي الغموض حيًّا. ثمة لحنٌ داخلي يتردّد، ليس له بداية ولا نهاية، وكأن روحي وحدها تحفظ نوتاته. أترك نفسي تنساب معه، وأشعر أنني لا أعيش المساء فقط… بل أُعيد اختراعه

سماء تغيّر مسار الخطى ...

صورة
                                                                           في صمت المساء، أدركت أن الطرق لا يعني دائمًا الدخول، وأن بعض الأبواب تبقى موصدة مهما انتظرناها. أردت أن أكون بين مقاعد دورةٍ ظننت أنها ستفتح لعملي أفقًا جديدًا، لكن الباب لم يُفتح لي. لم يكن ذلك سقوطًا، بل مجرد انحراف خفي لمسار آخر، كأن الطريق نفسه يقرر إعادة رسم ملامحه. فعدت إلى طقوسي الصغيرة التي لا تخذلني أبدًا… قهوتي التي تُشعل الحواس بنعومة، أوراقي التي تفتح لي ذراعيها كلما ضاق العالم، والسماء التي تراقبني من علٍ، تمنحني شعورًا أنني أكتب على صفحاتٍ من نور. أحببت ذلك الإيقاع الهادئ لروتين المساء؛ لا يعلو فيه صوت سوى نبضي، ولا ينكشف فيه سوى أسرار الروح حين تتمايل بين القراءة والكتابة، كأنني أعقد ميثاقًا غير مرئي مع الليل: أن يكون مأواي، وأن أكون سرّه

“بداية تشبهني”

صورة
                                                                             بهدوءٍ يشبه أول النور بعد ليلٍ طويل، أراقب حياتي وهي تستعيد ملامحها النقيّة. كم هو مريح أن أطرد من روحي كل ما أثقلها… أن أُغلق الباب بوجه من لا يعرفون إلا السُمّ، من جعلوا قلبي ساحة حرب، وجعلوني أرتاب في الطمأنينة. الآن، لا أحد يسرق مني سلامي، لا وجود لأصوات سامة تتسلل بين نبضاتي، كل من لا يشبه الضوء… رحل. أشعر وكأنني أتنفّس للمرة الأولى. كأن كل ما مضى كان حلمًا ثقيلاً، وها أنا أستيقظ… على أيامٍ جديدة لا يشاركها معي إلا الصدق، والنية البيضاء، والأمل. ثمة طاقة تدبّ في جسدي كنسمة أول الصباح، أحمل في قلبي يقينًا ناعمًا بأن الخير قادم، بأن القادم ليس انتظارًا… بل استقبال. كل شيء حولي يلمع بإمكانية جميلة: الأيام، التفاصيل، الملامح، اللحظات العابرة. ولست خائفة… لأني اخترت نفسي، ومن يختار نفسه لا يُخذل. الطريق مفتوح، والروح تت...

“خذلان اختارني”

صورة
                                                                                    في مساءٍ ثقيلٍ بالصمت… ذاك الصمت الذي لا يملكه الليل بل تخلقه الأرواح حين تُخذَل، جلستُ أمام مرآتي، لا لأتأمل وجهي، بل لأحدّق في خطيئتي. لم تكن خيبتك المفاجِئة هي ما آلمني، بل يقيني القديم بك. خنتُ نفسي حين ظننتُ أن الطمأنينة تُزرع في حضورٍ هش، وأن الحب يمكنه أن يرمم صدوعًا لا تُرى… كنت أختلق لك الأعذار كما يختلق الغريق قشةً للنجاة. عاتبة على تلك النسخة مني التي خذلت حدسي، وراوغت كل نداء داخلي كان يحاول إنقاذي. عاتبة على عينيّ، لأنهما لم تريا أن بعض القلوب لا تُسكن… بل تُعبر كالغيم الذي لا يمطر. وما أقسى أن تخونك بوصلتك، وأن تكوني أنتِ من رسم الطريق… ثم أُغلقت أبوابه عليكِ أخطأت حين منحتك مقعدًا بجانبي في سفينةٍ كان من المفترض أن تقودني إلى سلامي. أخطأت حين ظننت أن التشبث بك إيمان، ولم أدرك أنه كان...

“حيث لا يصل الضوء”

صورة
  في مساءٍ يتأرجح بين الحضور والغياب، جلستُ على حافة الضوء، أراقب الفراغ الذي يشبهك… لا شيء يُحكى عنك، لكن كل شيء يشتاقك. كأنك الغيمة التي عبرت دون أن تمطر، والنجم الذي تخلّف عن ليلته الأولى، والأغنية التي نُسيت في منتصفها النغمةُ الأجمل. أحنّ إليك في صمتٍ لا يفهمه أحد، كأنني أحضن ظلّك، لا أنت… كأنني أكتبك على صفحة ماء، وأعرف أنك لن تبقى. هل تراني؟ في اللحظة التي أفتقدك فيها دون أن أنطق باسمك؟ في الذكرى التي تمرّ بي دون أن تستأذن؟ في القصائد التي لم أكتبها، لكنها تعرفك أكثر مني؟ هكذا أفتقدك… لا دراما، لا دموع… فقط شعور يسير بجانبي، خفيفًا كطيف، عميقًا كجذر في أرض لم تكن بها قط - تأملات على ضوء القمر

“الممرّ الذي لا يعود”

صورة
                                                                                      هناك مساءات لا تبدأ… بل تُستدرَج. كأنها تنهض من تحت جلد الوقت، باردة، خافتة، تمشي على أطراف الضوء كي لا توقظ ما نام فينا قسرًا. هذا المساء تحديدًا، شعرت أن العالم كله يبتعد خطوة، ويتركها وحدها في منتصف سؤالٍ لا إجابة له. لا شيء يؤلم حقًا، لكن كل شيء يُثقل… كأن الهواء نفسه صار حكاية لم تعد ترغب بسماعها. كانت صامتة، لكن الداخل يضجّ بشيء يشبه الرغبة في الغياب… ليس هربًا، بل استراحة من التفسير، من محاولة فهم ما لا يُفهم، ومن ترميم الفراغ بيدين مرتجفتين. في لحظةٍ ما، مرّت فكرة خفيفة كالنسيم: ماذا لو لم أعد؟ لو أخذت طريقي بين الأشجار، وصرت ظلًا يسير ولا يُسأل؟ ثم همست للمساء: “أنا لا أهرب… أنا فقط أختار ممرًّا لا يَعرف العودة.

الروحانية الغامضة ستظل تنسج سطورك كل مساء. أراكِ غدًا في السادسة… حيث يبدأ الحرف بالانتباه

صورة
  في كل مساء، عند السادسة تمامًا، تفتح الروح نافذتها على صمتٍ تعرفه جيدًا… كأنّ الزمن يتباطأ ليُصغي، وكأنّ الأشجار تشهق في داخلها دون أن تهتز. هناك لحظات لا تحدث بصوت، تتسلّل إلى الداخل مثل ظلّ أنثى تمرّ قرب المرآة ولا تلتفت، تترك أثرًا لا يُمحى، لكن لا يُقال. عند السادسة، كل شيء يعود إلى حقيقته، الروح، والذاكرة، وحتى الشوق. والغريب… أن لا شيء يُقال، ومع ذلك، كل شيء يُفهم  عند السادسة مساء"، تُضاء الزوايا التي لا تلمسها الشمس، وتخرج الكلمات من مخابئها القديمة، كأنها طيورٌ خجولة هجرت أعشاشها منذ دهر، وعادت لتطمئن أنّ القلب ما زال حيًا. في هذا التوقيت تحديدًا، تُصبح الأحلام أكثر وضوحًا من الواقع، والحنين أكثر صدقًا من الذاكرة، وكأنّ العالم يُعاد ترتيبه سرًا من قِبل يدٍ خفية، تضع الأشياء في أماكنها الحقيقية… في الداخل، لا الخارج. السادسة مساءً… تُصبح الأنثى أكثر قربًا من نفسها، تسمع نَفَس قلبها، وتفهم صمتها، وتدرك أن الجمال لا يُصنع، بل يُستيقَظ  في السادسة مساءً، لم أعد أحاول إنقاذ ما يُفترض به أن يغرق، بل تعلّمت أن أُبحر بعيدًا، وأن أكتب على شراعي: “النجاة لا تكون دائمًا م...