بين الجدران التي تعرف اسمي


                                                                                  



هناك دفءٌ لا يُشترى…

دفءٌ يشبه أن يفتح لك المساء ذراعيه وأنت بين الوجوه التي حفظت ملامحك منذ البداية.


اليوم، وأنا أجلس بينهم، أدركت كم كانت الغربة تُقنعني أحيانًا بأنني بخير… بينما شيءٌ صغير في داخلي كان يتناسى بصمت.

الغربة لا تؤلم دائمًا بصخب، بل تفعل ذلك بهدوءٍ شديد… كهواءٍ بارد يتسلل من نافذةٍ لم ننتبه أنها مفتوحة.


لكن بين العائلة يحدث شيءٌ مختلف...

لا تحتاج أن تشرح مزاجك، ولا أن ترتب كلماتك بعناية.

يكفي أن تجلس… أن تسمع ضحكةً مألوفة، أن تمر يدٌ على كتفك بلا سؤال، أن تُنادى باسمك بالطريقة التي يعرفونها منذ طفولتك.


هنا، يعود الإنسان إلى مكانه الحقيقي.

لا سيطرة ، لا أدوار متعبة، لا محاولات مستمرة لتتأقلم مع الواقع .

مجرد روحٍ تجلس في مكانها القديم… وتتنفس.


في الغربة كنا نتعلم كيف نقسو قليلًا كي نمضي.

كيف نخفي الشوق تحت انشغالاتنا، ونؤجل الحنين إلى ليلةٍ أخرى.

لكن حين نعود… يتكشف كل شيء دفعةً واحدة.


رائحة القهوة في البيت ليست مجرد قهوة.

الأصوات في المطبخ ليست مجرد حركة عادية.

حتى الصمت هنا مختلف… صمت دافئ، كأنه بطانية خفيفة تُلقى على القلب.


اليوم شعرت أنني أستعيد أجزاءً مني كنت قد تركتها دون أن أنتبه.

النسخة التي تضحك بسهولة،

والتي لا تحتاج أن تشرح لماذا صمتت فجأة،

والتي تعرف أن هناك من سيفهمها حتى لو لم تقل شيئًا.


العائلة ليست مجرد أشخاص…

إنها المكان الوحيد الذي يسمح لك أن تكون كما أنت، دون تفسير.


وربما لهذا السبب تحديدًا…

وجدتني أعود إلى شيءٍ كنت قد ابتعدت عنه طويلًا:

الكتابة والرسم ..


مدونتي التي تركتها صامتةً لوقتٍ طويل،

كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة الهادئة كي أعود إليها.

لم أعد إليها دفعةً واحدة… بل كما يعود المسافر إلى الطريق القديم؛

خطوةً… ثم أخرى.


أكتب الآن ببطء،

وكأنني أستعيد صوتي بعد صمتٍ طويل.

أعيد ترتيب مشاعري على الورق،

وأترك الكلمات تمشي أمامي دون استعجال.


ربما لم أعد كما كنت تمامًا،

لكنني أشعر أنني أقترب من نفسي مرةً أخرى…

شيئًا فشيئًا.


وفي هذا المساء تحديدًا، أدركت أن الإنسان قد يسافر بعيدًا،

وقد يبني حياةً كاملة في مدنٍ أخرى،

لكن شيئًا داخله يظل يعرف الطريق دائمًا…

إلى الطاولة التي جلس حولها أول مرة،

إلى الأصوات التي شكلت ذاكرته،

إلى الدفء الذي لا يمكن لأي مدينة في العالم أن تمنحه.


الليلة، وأنا بينهم…

لم أشعر أنني عدت إلى بيتٍ فقط،

بل شعرت أن قلبي نفسه عاد إلى مكانه 🌙


- تأملات على ضوء القمر ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“بداية تشبهني”

“ذكور الكلام… لا رجولة في الثرثرة عن امرأة حرّة”

الروحانية الغامضة ستظل تنسج سطورك كل مساء. أراكِ غدًا في السادسة… حيث يبدأ الحرف بالانتباه