اليوم .. طردتك من عالمي وأغلقت الباب الى الأبد ...

                                                                                  



                                                                                    

لم أستيقظ اليوم على ضجيجٍ داخلي …

بل على برودةٍ ناعمة، تشبه يدًا من ثلجٍ وضعتها الحياة على صدري لتقول: انتهى.

كنتُ أظنّه سندًا ؟

لا لأنّه قال ذلك، بل لأنني صدّقته.

منحتُه مساحةً لم أمنحها لأحدٍ ، ورفعتُه في قلبي درجةً لم يستحقها ابدا . كنت أراه ظلًا يحجب عني قسوة الأيام، فإذا

 به هو اليوم الذي تعلّمتُ منه معنى القسوة.


الغدر لا يُحدث ضجيجًا كما نتخيّل.

لا يأتي دائمًا بصوتٍ عالٍ أو كلماتٍ جارحة. أحيانًا يتسرّب بهدوء… كالماء تحت الأبواب، حتى يغمر أرضك كلها وأنت

 تظن أنك في أمان.


.......

في البداية تألمت.

ثم غضبت.

ثم انتظرت.

كنتُ أنتظر اعتذارًا صادقًا، وتفسيرًا يُرمّم ما انكسر، وندمًا يليق بحجم الخذلان. لكنه لم يفعل. كل ما طلبه مني أن يراني

 وجهًا لوجه… وكأنّه كان يأمل أن أنظر في عينيه فأحنّ، أن تضعف ذاكرتي أمام حضوره الباهت، وأن تخونني

 مشاعري لصالح لحظة عابرة. لم يكن يبحث عن إصلاح ما أفسد، بل عن فرصةٍ يستعيد بها مكانته دون أن يدفع ثمن ما فعل.


لم يكن المشهد مثيرًا للشفقة بقدر ما كان كاشفًا للحقيقة.

جلس أمامي يستعطف مشاعري، يحاول أن يفتح في قلبي بابًا أُغلق منذ زمن… وبكى.

لكن دموعه لم تكن شجاعة اعتراف، بل دموع هروب.

كان يبكي كما تبكي الفتيات الصغيرات حين يُفاجَأن بخطئهن،

لا كإنسان يملك ما يكفي من الشرف ليقول: أخطأت.

راقبت ذلك المشهد بصمت…

لا لأن قلبي قسا، بل لأنني أدركت أن بعض الدموع ليست سوى وسيلة أخرى للتلاعب.

ثم بدأ الفصل الأكثر إثارة للدهشة؛

محاولة بائسة لتلويث اسم شخصٍ آخر،

وكأن الحقيقة يمكن أن تُغسل بكذبة،

أو أن السقوط يمكن أن يُنسب لكتفٍ قريب.

كان يتحدث بثقة المرتبك،

يرمي الاتهامات هنا وهناك،

كأنني سأصدق تلك الحكاية المرتجلة التي كتبها على عجل لينجو بنفسه.

لكن ما لم يفهمه بعد…

أن الكذب حين يُقال أمام من رأى الحقيقة بعينيه،

لا يصبح أكثر إقناعًا… بل أكثر بؤسًا.

والأشد غرابة،

أنه ما زال يظن أنني قد أصدق.


أما الآن… فلا شيء.

مشاعري تجاهه أصبحت باردة، لم تكن مشاعر أصلا ... بل كانت اختيار سيء واكتشاف لوجود اشخاص لا يستحقون الاحترام الذي نعطيه حتى لعامل النظافة ... 

نعم هم لا يستحقون الاحترام .. لان عامل النظافة يجمع النفايات من

 الطريق ولا يغدر بالأشخاص الغرباء عنه ..

 ادركت انني احتاج لإعادة ترتيب الأشخاص 

وان ادرك اكثر..

( من الأشخاص كعامل النظافة ) و( من الأشخاص اللذين يعبرون عن القمامة نفسها ! )

 وكأنني أعدت ترتيب سلّم الأولويات فوجدته يقف على درجةٍ عادية جدًا … لا تليق بمكانته ، لكنها تليق بحقيقته . وسألت نفسي ...: متى انحدر اختياري هكذا لدرجة انني ارتضيت بأشخاص من القمامة والنفايات ؟! 

...

ندمت، نعم.

اعتقدتُ أنني مطمئنة ، لكن أياً كانت تلك المشاعر… فهي غير موجودة الآن له .

 كأنها كانت وهجًا مؤقتًا أطفأته

 الحقيقة سريعًا، فلم يبقَ منه سوى أثرٍ باهت يذكّرني باندفاعي أكثر مما يذكّرني به.


......

اليوم… ربما يكرهه قلبي، أو ربما لا. لا أعلم تحديدًا ما اسم الشعور الذي يمرّ بي حين أتذكّره. 

هو ليس حنينًا، وليس غضبًا صريحًا.

 ربما هو شيءٌ أقرب إلى الشفقة… شفقة على ذلك الحقد والظلام اللذين يسكنان قلبه، وعلى 

المستوى الذي ارتضاه لنفسه وهو يظن أنه ينتصر.



لم أعد أبحث عن استعادة شيء.

بل أصبحت واعية بأنني أراه الآن على حقيقته… وعلى مستواه المتدنّي الذي حاولتُ يومًا أن 

أتغاضى عنه. 

وهذا الوعي وحده كافٍ ليضع كل شيء في مكانه الصحيح.


كان يجب أن أضع كل شخصٍ عند حجمه المناسب.

أن أترك الأفعال تحدد المسافة، لا الكلمات.

أن لا أرفع أحدًا فوق إنسانيته، ولا أضع نفسي تحت أحدٍ مهما كان.

لقد تغيّرتُ…

لم أعد تلك التي تندفع بقلبٍ مفتوحٍ بلا حذر. أصبحت أختار، أزن، أراقب، وأُبقي مسافةً . ليس

 لأنني صرت قاسية، 

بل لأنني صرت أكثر إدراكًا لما أستحق… ولما لا أستحق. وانا استحق الأفضل دائما"


أما هو…

فقد أصبح ماضيًا، لا مكان له في ذاكرتي حتى. صفحةٌ طُويت بإرادتي، لا لأنني نسيت،

 بل لأنني قررت ألا أسمح لها بالبقاء مفتوحة.


اليوم، حين أنظر إلى الخلف، لا أشعر سوى بالاشمئزاز من ذلك الشخص …

وبهدوءٍ بارد يشبه العدالة.

عدالة أن ترى الأشياء كما هي.

وأن تضع كل شخصٍ… في حجمه الحقيقي.



وفي النهاية… 

أدركت أن بعض البشر لا يُخسرون، بل يُزالون.

هناك نوع من الناس لا يستحق حتى الكراهية؛

أولئك الذين يتوسلون العفو بدموعٍ رخيصة،

ويحاولون النجاة بأكاذيبٍ أكثر رخصًا.

هؤلاء لا أحاربهم…

أنا فقط أطردهم.

أطرد الشفقة التي يثيرونها في صدري،

وأغلق الباب خلفهم بهدوءٍ يليق بمن يعرف قيمته جيدًا.

فحياتي ليست مأوى للضعفاء أخلاقيًا،

ولا مسرحًا لمن يسقط ثم يبحث عن كتفٍ بريء ليعلّق عليه سقوطه.

وأنا لا أتوقف طويلًا عند المشاهد البائسة؛

أمضي ببساطة.

أمضي نحو طرقٍ أنظف،

ونحو وجوهٍ أكثر صدقًا، ورقيًا

ونحو بشرٍ يعرفون معنى الكرامة قبل أن يتعلموا معنى الحب.

أما أولئك الذين يثيرون الشفقة…

فمكانهم الوحيد في حياتي

خارجها تمامًا.


                                                                                 - تأملات على ضوء القمر ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

“بداية تشبهني”

“ذكور الكلام… لا رجولة في الثرثرة عن امرأة حرّة”

الروحانية الغامضة ستظل تنسج سطورك كل مساء. أراكِ غدًا في السادسة… حيث يبدأ الحرف بالانتباه